اليوم العالمي للغة الفرنسية: لغة موليير وانتشارها العالمي

إذا كانت اللغات جسورًا بين الشعوب، فإن اللغة الفرنسية جسرٌ مُذهَّبٌ يربط بين قاراتٍ وثقافاتٍ وحضارات. ليست مجرد كلمات تُنطق أو قواعد تُحفظ، بل هي روحٌ تحمل في طياتها تاريخًا من الفلسفة والأدب والفنون، ووعاءٌ حفظ تراثًا إنسانيًّا لا يُقدَّر بثمن. وفي العشرين من مارس من كل عام، تُضيء اليونسكو شمعةً جديدةً في عيد اللغة الفرنسية، لتذكير العالم بأن هذه اللغة ليست ملكًا لفرنسا وحدها، بل هي إرثٌ مشاعٌ لكل من تنفس بروح الفرنكوفونية.
لكن لماذا خُصص يومٌ عالمي للغة الفرنسية؟ وما سرُّ تسميتها بلغة موليير؟ وكيف تحوَّلت من لهجةٍ محليةٍ إلى لغةٍ عالميةٍ تتحدثها شعوبٌ من كندا إلى أفريقيا؟ هذا المقال يُجيب عن هذه الأسئلة وغيرها، مُستندًا إلى حقائقَ تاريخيةٍ وثقافيةٍ تفتح لك نافذةً على عالَمٍ لا ينضب من الجمال والفكر.
اليوم العالمي للغة الفرنسية: لماذا خصصت اليونسكو 20 مارس؟
في عام 2010، أعلنت منظمة اليونسكو عن مبادرةٍ فريدةٍ لتكريس يومٍ عالمي لكل لغةٍ من لغاتها الرسمية الست، وكان نصيب الفرنسية يوم 20 مارس، وهو التاريخ الذي يُوافق ذكرى تأسيس المنظمة الدولية للفرنكوفونية عام 1970. لكن القرار لم يكن اعتباطيًّا؛ فاليوم العالمي للغة الفرنسية ليس مجرد احتفالٍ بالكلمات، بل هو تأكيدٌ على التعددية اللغوية كأساسٍ للحوار بين الحضارات، وحمايةٌ للتنوع الثقافي من خطر الانقراض في عصر العولمة.
اليونسكو، برؤيتها الإنسانية، أرادت أن تُذكِّر العالم بأن اللغة الفرنسية ليست أداة تواصلٍ فحسب، بل هي وعاءٌ لحقوق الإنسان والسلام العالمي، حيث تُستخدم كلغة عملٍ في المحاكم الدولية، ومقرات الأمم المتحدة، والمفوضيات الإفريقية. وهكذا، أصبح 20 مارس من كل عام مناسبةً لتكريم هذه اللغة التي حملت مشاعل التنوير من فولتير إلى سارتر.
الاحتفال باللغة الفرنسية: جسرٌ بين الثقافات والإنسانيات
لماذا نحتفل بلغةٍ بعينها؟ لأن اللغة، كما قال الفيلسوف الألماني هايدغر، “بيت الكينونة”. والفرنسية، بهذا المعنى، هي بيتٌ فسيحٌ يستضيف تحت سقفه 300 مليون ناطقٍ عبر القارات، منهم 80% يعيشون خارج أوروبا! الاحتفال بها هو احتفالٌ بقدرة اللغة على توحيد المختلفين: ففي أفريقيا، تُعد الفرنسية لغةَ التعليم في دولٍ مثل السنغال والكاميرون، وفي كندا، هي لغةٌ رسميةٌ تُحافظ على هوية الملايين، وفي لبنان، كانت جسرًا بين الشرق والغرب.
لكن الأمر يتجاوز الأرقام إلى الإرث الثقافي: فمن دون الفرنسية، كيف كنا سنقرأ بودلير ورامبو، أو نسمع أغاني إديث بياف، أو نفهم فلسفة سيمون دي بوفوار؟ الاحتفال باليوم العالمي للغة الفرنسية هو إحياءٌ لهذا الإرث، وتأكيدٌ على أن اللغات لا تموت ما دامت تتنفس بأفواه أحفادها.
تاريخ اللغة الفرنسية: كيف تحولت من لهجةٍ محليةٍ إلى لغةٍ عالمية؟
قبل أن تُصبح لغة موليير، كانت الفرنسية مجرد لهجةٍ محكيةٍ تطورت عن اللاتينية العامية التي جلبها الرومان إلى غالة (فرنسا الحالية). لكن التحول الحاسم بدأ في القرن التاسع، مع قسم ستراسبورغ (842 م)، أقدم وثيقةٍ مكتوبةٍ بالفرنسية القديمة، والتي أبرمها أحفاد شارلمان لتوحيد الإمبراطورية.
لكن القفزة النوعية حدثت في عصر النهضة الفرنسية، حين أصدر الملك فرانسوا الأول مرسوم فيلير-كوتيريه (1539)، الذي أعلن الفرنسية لغةً رسميةً للإدارة والقضاء بدلًا من اللاتينية، فتحوَّلت من لغة الشارع إلى لغة الدولة. ثم جاءت الأكاديمية الفرنسية (1635)، التي وضعت قواعد اللغة وحمتْها من “التلوث” بالكلمات الأجنبية، لتصبح الفرنسية لغةَ النخبة الأوروبية في القرن الثامن عشر، تُكتب بها موسوعة ديدرو، وتُلقى بها خطب الثورة الفرنسية.
لغة موليير: سر التسمية وإرثٌ أدبيٌّ خالد
“اللغة الفرنسية هي لغة موليير”، جملةٌ تتردد كثيرًا، لكن ما قصتها؟ موليير (1622-1673)، واسمه الحقيقي جان-باتيست بوكلان، لم يكن مجرد كاتب مسرحي، بل كان مهندسًا للهوية الفرنسية. عبر مسرحياته الساخرة مثل “البخيل” و“طرطوف”، حوَّل اللهجة الباريسية إلى لغةٍ أدبيةٍ راقية، وانتقد بتفاصيلها الثرية انحرافات المجتمع، مما جعل مسرحه مرآةً للشعب الفرنسي.
لكن التسمية تعكس أيضًا رمزيةً أعمق: فكما تُسمى الإنجليزية “لغة شكسبير”، أصبحت الفرنسية “لغة موليير” لأنه جسَّد روحها المرحة والثائرة. حتى أن الأكاديمية الفرنسية، التي كان موليير يسخر منها في مسرحية “النساء المتعلمات”، اضطرت لاحقًا إلى تبني إرثه كجزءٍ من الهوية الوطنية.
انتشار الفرنسية: هل ستظن أنها لغة أوروبية فقط؟
إذا ظننت أن الفرنسية لغة أوروبية، فإليك هذه المفاجأة: أكثر من 50% من الناطقين بها يعيشون في أفريقيا! فبعد الاستعمار، حافظت دولٌ مثل السنغال وساحل العاج على الفرنسية كلغة توحيدٍ بين قبائلها المتنوعة، بينما في كيبيك الكندية، أصبحت الفرنسية درعًا ثقافيًّا ضد الإنجليزية.
ولا ننسى أن الفرنسية هي لغة العمل في الاتحاد الأفريقي، ولغة التدريس في جامعات المغرب العربي، ولغة الإبداع في أدباء مثل الطاهر بن جلون. حتى في آسيا، لا تزال لاوس وفيتنام تحتفظان بآثار الفرنكوفونية. وهكذا، تجاوزت الفرنسية حدود باريس لتصبح لغةً عالميةً بكل معنى الكلمة.
كيف تحتفل باليوم العالمي للغة الفرنسية؟
الاحتفال باللغة لا يحتاج إلى طقوس معقدة، بل إلى خطواتٍ بسيطةٍ تلامس الروح:
- اقرأ قصيدةً لبودلير أو روايةً لألبير كامو.
- تعلَّم عبارةً فرنسيةً جديدة، مثل “C’est la vie” (هذه هي الحياة).
- شارك في فعاليات المعهد الفرنسي في مدينتك.
- استكشف أفلامًا فرنكوفونية كلاسيكية، مثل أعمال فرانسوا تروفو.
- انشر اقتباسًا فرنسيًّا على وسوم مثل #يوماللغةالفرنسية.
الخاتمة: لغةٌ لا تنتهي عند حدود القاموس
اليوم العالمي للغة الفرنسية ليس مجرد تاريخٍ في التقويم، بل هو دعوةٌ لإعادة اكتشاف لغةٍ حملت مشاعل التنوير عبر القرون، من صالونات باريس الأدبية إلى مقاهي الجزائر. إنها لغةٌ تثبت أن الكلمات يمكنها أن تكون جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الذات والآخر. ففي كل مرةٍ تنطق فيها “Liberté” (حرية)، أو “Égalité” (مساواة)، تتذكر أن هذه الكلمات لم تُخلق للزينة، بل لتصنع التاريخ.