الأيام الدولية والعالمية

اليوم العالمي للسعادة: في رحابِ الإنسانيةِ بحثًا عنِ البهجةِ

هل تساءلتَ يومًا لماذا تُخصِّصُ الأممُ المتحدةُ يومًا للسعادةِ، بينما يَغرقُ العالمُ في همومٍ لا تُحصى؟ إنَّها ليست مُجردَ لفتةٍ عابرةٍ، بل إقرارٌ بأنَّ السعادةَ ليست تَرِفًا، بل حاجةٌ إنسانيةٌ كالماءِ والهواءِ. ففي العشرينَ من مارسَ 2025، يُضيءُ العالمُ شمعةً جديدةً في طريقِه نحوَ الرفاهيةِ، لِيُذكِّرَنا أنَّ الفرحَ مُمكنٌ حتى في زمنِ التحدياتِ. هذا اليومُ، الذي وُلدَ بقرارٍ أمميٍّ عامَ 2012، ليس احتفالًا بِمفهومٍ غامضٍ، بل خارطةُ طريقٍ تُعيدُ للإنسانِ إنسانيَّتَه. فكيفَ نُعرِّفُ هذا اليومَ؟ وما أهدافُه التي تَتعانقُ مع أحلامِ الشعوبِ؟ لِنَغوصَ معًا في ثنايا هذا الحدثِ العالميِّ، حيثُ تَتلاشى الحدودُ، وتَبقى القلوبُ.


1. ما هو اليوم العالمي للسعادة؟ سؤالٌ يَفتحُ أبوابَ الأملِ

تاريخُ اليومِ: مِنْ رَحِمِ القرارِ الأمميِّ إلى فضاءِ العالَمِ

لم تَكنْ فكرةُ تخصيصِ يومٍ للسعادةِ وليدةَ صدفةٍ، بل ثمرةُ نضالٍ فكريٍّ طويلٍ. ففي الثامنِ والعشرينَ من يونيوَ 2012، اعتمدتِ الجمعيةُ العامةُ للأممِ المتحدةِ القرارَ رقمَ 66/281، مُعلنةً العشرينَ من مارسَ يومًا دوليًا للسعادةِ. جاءَ هذا القرارُ كَتَتويجٍ لجهودِ مملكةِ بوتانَ، تلكَ الدولةِ الصغيرةِ التي جعلتْ مِنْ “السعادةِ القوميةِ الإجماليةِ” مِقياسًا للتنميةِ بدلًا مِنَ الناتجِ المحليِّ. هكذا، تحوَّلَ الحديثُ عنِ السعادةِ مِنْ شأنٍ فرديٍّ إلى قضيةٍ عالميةٍ تُقرُّها الحكوماتُ.

لماذا 20 مارس؟ سِرُّ الاعتدالِ الرَّبيعيِّ

إنَّ اختيارَ العشرينَ من مارسَ ليسَ اعتباطيًا، ففي هذا اليومِ يَتعادلُ الليلُ والنهارُ، ويُعلنُ الاعتدالُ الرَّبيعيُّ بدايةَ تجدُّدِ الطبيعةِ. كأنَّ الأممَ المتحدةَ تَقولُ لنا: “كما تَستيقظُ الأرضُ مِنْ سُباتِها، اِستيقظوا أنتمْ لِتزرعوا البهجةَ في نفوسِكم”. إنَّها رمزيةٌ تُذكِّرُنا بأنَّ السعادةَ ليستْ حِكرًا على أحدٍ، بل هيَ حقٌّ يُشرقُ على الجميعِ كشمسِ مارسَ.


2. أسعدُ يومٍ في العالمِ: بينَ الواقعِ والتصوُّرِ

هل يُوجدُ يومٌ واحدٌ يَستحقُّ لقبَ “أسعدِ يومٍ”؟

يَتردَّدُ بينَ الناسِ سؤالٌ: “متى يكونُ اليومُ العالميُّ للسعادةِ 2025؟” والحقيقةُ أنَّ السعادةَ ليستْ مُحصورةً في تاريخٍ مُحددٍ، لكنَّ هذا اليومَ يُشبهُ مرآةً تُعيدُ للبشرِ اكتشافَ ذواتِهم. ففي العشرينَ من مارسَ، تُنظَّمُ فعالياتٌ مِنْ طوكيوَ إلى نيويوركَ، كأنَّ العالمَ يَتنفَّسُ لَحظةً واحدةً. ومعَ ذلكَ، فإنَّ تقريرَ السعادةِ العالميِّ – الذي يُصدرُه “شبكةُ حلولِ التنميةِ المُستدامةِ” سنويًا – يُظهرُ أنَّ السعادةَ تُقاسُ بِمؤشراتٍ تَشملُ الدخلَ، والدعمَ الاجتماعيَّ، والحريةَ، ومُحاربةَ الفسادِ. فالسعادةُ ليستْ يومًا عابرًا، بل سِياقٌ مُستمرٌّ.

يومُ السعادةِ العالميِّ بالإنجليزيةِ: نافذةٌ على العالَمِ

يَحملُ هذا اليومُ اسمًا إنجليزيًا هوَ International Day of Happiness، لِيُؤكِّدَ أنَّ الفرحَ لغةٌ لا تَعرفُ الحُدودَ. ففي هذا اليومِ، تَتجاوزُ المُبادراتُ اللغاتِ، وتَتوحدُ الشعوبُ تحتَ شعاراتٍ مثلَ “Happier Together” (نحنُ أسعدُ معًا). إنَّها دَعوةٌ لِكسرِ الحواجزِ، فالسعادةُ لا تَحتاجُ إلى ترجمةٍ.


3. الهدفُ مِنْ يومِ السعادةِ العالميِّ: إعادةُ تشكيلِ مفهومِ التقدُّمِ

السعادةُ والتنميةُ: زواجٌ مقدَّسٌ

لطالما ارتبطَ التقدُّمُ في الأذهانِ بِزيادةِ الثروةِ، لكنَّ اليومَ العالميَّ للسعادةِ يُعيدُ تعريفَ التقدُّمِ. ففي عامِ 2025، ستُركِّزُ الفعالياتُ على ربطِ السعادةِ بأجندةِ 2030 للتنميةِ المُستدامةِ. فكيفَ يُمكنُ تحقيقُ الهدفِ الثالثِ (الصحةُ الجيدةُ) دونَ رفاهيةٍ نفسيةٍ؟ وكيفَ نُحقِّقُ التعليمَ الجيدَ (الهدفُ الرابعُ) إذا كانَ الطلابُ يَفتقرونَ إلى الأملِ؟ إنَّ السعادةَ هُنا تُصبحُ خيطًا نَسيجيًّا يَربطُ بينَ جميعِ الأهدافِ.

دورُ الحكوماتِ: مِنْ سياساتِ الضرائبِ إلى سياساتِ القلوبِ

لا يَعني هذا اليومُ توزيعَ الورودِ في الشوارعِ، بل دَفْعَ الحكوماتِ لِتبنِّي سياساتٍ تَخدمُ الإنسانَ. خُذْ مثالًا: دولةَ الإماراتِ التي عَيَّنتْ وزيرةً للسعادةِ عامَ 2016، أو بوتانَ التي تَستخدمُ “مؤشرَ السعادةِ القوميةِ” لِتقييمِ مشاريعِها. هذهِ النماذجُ تُثبتُ أنَّ السعادةَ ليستْ شِعارًا، بل منهجُ حكمٍ.


4. اليومُ الدوليُّ: لماذا تَختارُ الأممُ المتحدةُ أيامًا عالميةً؟

الأيامُ العالميةُ: صِياحُ الديكِ قَبلَ الفجرِ

تُشبهُ الأيامُ الدوليةُ صِياحَ الديكِ الذي يُنبئُ بقدومِ الفجرِ؛ فهيَ تَهدفُ إلى لَفتِ الانتباهِ إلى قضايا مُهمَّةٍ قَبلَ أنْ تَتحوَّلَ إلى كوارثَ. فاليومُ العالميُّ للسعادةِ، ويومُ البيئةِ، ويومُ المرأةِ، كلُّها أيامٌ تَزرعُ بذورَ الوعيِ في تربةِ الإنسانيةِ. إنَّها ليستْ احتفالاتٍ، بل صرخاتٌ: “اِستيقظوا، اِفعلوا شيئًا!”.

كيفَ تُغيِّرُ الأيامُ العالميةُ السياساتِ؟

قد يَظنُّ البعضُ أنَّ هذهِ الأيامَ رمزيةٌ فحسبُ، لكنَّ التاريخَ يُثبتُ عكسَ ذلكَ. فاليومُ العالميُّ لمُكافحةِ الفقرِ (17 أكتوبر) دَفَعَ حكوماتٍ إلى تبنِّي برامجَ حمايةٍ اجتماعيةٍ. واليومُ العالميُّ للسعادةِ يَدفعُ بِمؤسساتٍ دوليةٍ إلى إدراجِ مُؤشراتِ الرفاهيةِ في تقاريرِها. هكذا تَتحوَّلُ الشعاراتُ إلى أفعالٍ.


الخاتمة: السعادةُ.. رِحلةٌ لا وَقْفَةٌ

في العشرينَ من مارسَ 2025، سيَمرُّ اليومُ العالميُّ للسعادةِ كعادتِه، لكنَّ السؤالَ الأهمَّ: هل سنَجعلهُ بدايةَ رحلةٍ؟ رحلةٍ نَزرعُ فيها البسمةَ في وجهِ جارِنا، نُشاركُ فيها طفلًا لعبتَه، نُخففُ فيها عنْ مُهمومٍ. فالسعادةُ، في النهايةِ، ليستْ تاريخًا في التقويمِ، بل خَيارٌ نَصنعُه كلَّ يومٍ.

“لا تَنتظرْ يومًا عالميًا لتكونَ سعيدًا، لكنْ اِجعلهُ فرصةً لتُذكِّرَ العالمَ بأنَّ السعادةَ تَبدأُ مِنْ داخلكَ”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى