أعلام وشخصيات

آدا لوفلايس: أول مبرمجة تنبأت بعصر الحواسيب

في قصرٍ إنجليزيٍّ مُحاطٍ بأشجار السنديان، حيث كانت رائحة الحبر تختلط بعطر الأزهار، جلسَت طفلةٌ تمسك بيدٍ قلماً لكتابة الشعر، وباليد الأخرى مسطرةً هندسية. لم تكن تلك الطفلة سوى آدا لافليس، ابنة الشاعر الثائر لورد بايرون، التي ورثت عن أبيها ثورةَ الخيال، لكنها حوّلتها إلى معادلاتٍ رياضيةٍ غيّرت وجه التاريخ. كانت تقول: “العِلم هو الشعر الذي لم يُكتَب بعد”، وكأنها تتنبأ بأن حروف البرمجة ستكون يوماً ما أبياتَ قصيدةِ العصر الحديث.


الفصل الأول: النشأة.. بين جنون الشعر ومنطق الرياضيات

وُلدت آدا في 10 ديسمبر 1815، لكنّ والدها – الشهير بعلاقاته المُضطربة – غادر إنجلترا بعد شهرٍ من مولدها، ولم تره بعدها أبدًا. أرادت أمها آن إيزابلا، التي كانت عالمة رياضيات، أن تُنقذ ابنتها من “لعنة الشعر” التي أصابت بايرون، فوجّهتها نحو الأرقام بدل الكلمات.

لكن آدا لم تكن آلةً حسابيةً صمّاء: في مذكراتها السرية، كتبت: “أرى في كل معادلةٍ قصةً تُحكى، وفي كل رقمٍ شخصيةً درامية”. هذا المزج الفريد بين المنطق والخيال جعل مُعلمها تشارلز ويتستون (مخترع التلغراف) يصفها بأنها: “شبح بايرون يطارده، لكن عبر عدسة الهندسة”.


الفصل الثاني: المحرك التحليلي.. اللقاء الذي غيّر مصير التكنولوجيا

في عام 1833، دُعيت آدا البالغة 17 عامًا إلى حفلٍ حيث شاهدت نموذجًا لـ “المحرك الفروقي” لتشارلز باباج، وهو آلةٌ ميكانيكيةٌ للحساب. كانت اللحظة أشبه بصاعقةٍ أضاءت عقلها: “رأيتُ في تلك التروس المُتحركة أجنحةً لحصانٍ أسطوري سيحمل البشرية إلى عوالمَ جديدة”.

بعد عشر سنوات، طلب منها باباج ترجمة مقالٍ إيطالي عن “المحرك التحليلي” (تطويرٌ للمحرك الفروقي)، لكنها لم تكتفِ بالترجمة، بل أضافت ملاحظاتٍ طويلةً بلغت 3 أضعاف النص الأصلي! في هذه الملاحظات:

  1. الخوارزمية الأولى: برنامجٌ لحساب أعداد برنولي، يُعتبر أول مثالٍ على برمجة حاسوب.
  2. التنبؤ بالمستقبل: تصوّرت أن الآلات ستؤلف الموسيقى، ترسم اللوحات، وتُجري تنبؤاتٍ علمية.
  3. التمييز بين الحاسوب والدماغ: أكدت أن الآلات لا تَخلق أفكارًا، بل تُنفّذ أوامر البشر.

يقول المؤرخ دورون سويد: “لو كانت ملاحظات آدا كتابًا مستقلًا، لكانت أعظمَ عملٍ في القرن التاسع عشر”.


الفصل الثالث: التحديات.. امرأة في عالم الرجال

رغم عبقرية آدا، واجهت عواصفَ لم تكن التروس قادرةً على صدّها:

  • المنع من الجامعات: مُنعت من دخول المكتبات العلمية، فدرست سرًا عبر مراسلاتٍ مع عالم الرياضيات أوغسطس دي مورغان.
  • السخرية الاجتماعية: وصفها البعض بـ”المجنونة التي تلاعبت بها أشباح أبيها”، بينما قال آخرون: “الرياضيات تفسد أنوثتها”.
  • الصراع الداخلي: كتبت لصديقتها: “أحيانًا أشعر أنني سفينةٌ تُحاصرها الأمواج من كل جانب: موهبتي في الرياضيات، ومسؤولياتي كأم، وآلام جسدي”.

لكنها حوّلت الألم إلى وقود: خلال إصابتها بسرطان الرحم، استمرت في العمل حتى أيامها الأخيرة، وكأنها تعلم أن الوقت قصيرٌ لتحقيق الرؤية.


الفصل الرابع: الإرث.. من القرن التاسع عشر إلى عصر الذكاء الاصطناعي

لم تمت أفكار آدا بموتها في 1852، بل نمَت كبذورٍ في تربة المستقبل:

  • لغة “آدا”: طوّرتها وزارة الدفاع الأمريكية عام 1980 لبرمجة الأنظمة الحساسة، وتُستخدم حتى اليوم في الطائرات والقطارات فائقة السرعة.
  • يوم آدا لافليس العالمي: يُحتفى به في الثامن من أكتوبر لتشجيع النساء على دخول مجالات العلوم.
  • الذكاء الاصطناعي: اقتباسها الشهير “المحرك التحليلي لا يخلق معرفةً جديدة، بل يعطي شكلاً لتلك التي نملكها” يُلهم الباحثين في كيفية تعليم الآلات “الإبداع”.

حتى شركة ديب مايند (مطورة ألفاجو) تُشير إليها في أوراقها البحثية كأمّ لفلسفة الذكاء الاصطناعي.


الفصل الخامس: لماذا ندرس آدا اليوم؟ درسٌ في كسر المستحيل

آدا ليست مجرد اسمٍ في كتب التاريخ، بل رمزٌ لِما يمكن تحقيقه حين نرفض القيود:

  • التفكير المتعدد التخصصات: جمعت بين الشعر والرياضيات، وهو ما يُسمى اليوم “STEM Arts”، حيث تُدرس الجامعات دمج الفنون بالعلوم.
  • التحدي الاجتماعي: أثبتت أن العبقرية لا جنس لها، وفتحت الباب لعالمات مثل ماري كوري وكاثرين جونسون.
  • الرؤية المستقبلية: في عصرٍ لم تكن فيه الكهرباء، رأت أن الآلات ستُحيط بنا في كل مكان.

الخاتمة: الرسالة التي كتبتها آدا بماء الأمل

قبل وفاتها بأسابيع، كتبت آدا: “العلم لا يقتل الجمال، بل يمنحه أجنحةً ليحلق أبعد”. ربما تكون هذه هي خلاصة حياتها: امرأةٌ حوّلت الأحجارَ التي رمتها بها الحياة إلى سلّمٍ صعدت عليه الإنسانيةُ إلى عصر التكنولوجيا. اليوم، كلّما سمعتَ صوتَ لوحة مفاتيح حاسوب، أو رأيتَ طفلةً تبرمج روبوتًا، تذكّر أن تلك الأصوات هي صدى لضربات قلب آدا، التي لم يتوقف عن الخفقان رغم مرور قرنين.


ملحق: جدول زمني لإنجازات آدا لافليس

العامالحدث
1815الميلاد في لندن
1833لقاء تشارلز باباج ورؤية المحرك الفروقي
1843نشر ملاحظاتها على المحرك التحليلي
1852الوفاة عن 36 عامًا
1980إطلاق لغة برمجة “آدا”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى