المصطلحات

تعريف الرواية: سيرة الكلمة من الحكاية إلى الفن الخالد

ليست الرواية مجرد حروفٍ متتابعة، أو أحداثٍ تُسرد لملء الفراغ؛ إنها مرآةٌ تُعيد تشكيل الواقع، وتُنحت فيها أعمقُ أسئلة الإنسان عن الحب، والموت، والوجود. فما سرُّ هذه الكلمة التي حملتْ بين طياتها تاريخَ الأدب كله؟ دعنا نغوص في تعريف الرواية، لا كمصطلحٍ جامد، بل ككائنٍ حي نما من رحم الحكايات القديمة، وارتقى ليصير فناً يُعبِّر عن أزمات العصر وصراعاته.


الفصل الأول: أصل الكلمة.. من رواية الأنساب إلى رواية الوجدان

كلمة “الرواية” في لغتنا العربية تحمل في جذرها معنى “الروي“، وهو السَّقْيُ والتتابع، كالماء الذي يُروي الأرض العطشى. فالفعل “رَوَى” يعني نقلَ الحديث بتفاصيله، كما كان العرب يروون أخبار الأيام وأنساب القبائل. لكن هذه الكلمة لم تبقَ حبيسة الماضي؛ فمع التحولات الثقافية، انتقلت من سرد الوقائع إلى نسج الخيال، وصارت تعني ذلك الفنَّ الأدبي الذي يجمع بين الواقع والمتخيل.

في المعاجم القديمة، كما يذكر ابن منظور في “لسان العرب”، كانت الرواية تُطلق على “نقل الحديث مسنداً”. أما اليوم، فهي – كما يعرفها النقاد – عملٌ سردي طويل، يعتمد على حبكةٍ متماسكة، وشخصياتٍ ذات أبعادٍ نفسية، وفضاءٍ زمني ومكاني يُحيط بالقارئ حتى يُصبح جزءاً من العالم الروائي.

هذا التحول من “الرواية” كحكايةٍ شفوية إلى فنٍّ مكتوبٍ ذي قواعدَ فنية، يشبه رحلةَ الفراشة من شرنقة؛ ففي أوروبا القرن السابع عشر، مع ظهور “دون كيخوتي” لسرفانتس (١٦٠٥)، وُلدت الرواية الحديثة كجنسٍ أدبي مستقل، بينما احتاج الأدب العربي إلى قرونٍ ليعيد صياغة المفهوم، متأثراً باحتكاكه بالغرب.


الفصل الثاني: تاريخ الرواية.. رحلة من الكهوف إلى نوبل

البدايات: حين كانت الحكاية جمرةً حول النار

قبل أن تُدوَّن الرواية، وُلدتْ حكاياتُ الإنسان الأولى حول النار: ملاحمُ كـ”جلجامش”، وأساطيرُ الإغريق. لكن الرواية بمفهومها الفني لم تظهر إلا مع تحول المجتمع الأوروبي إلى الطباعة والفردية، فكانت “دون كيخوتي” هجاءً للفروسية الواهمة، و”روبنسون كروزو” (١٧١٩) احتفاءً بالفلاح البورجوازي الذي يبني عالمه بيديه.

الرواية العربية: صحوة متأخرة أم ولادة جديدة؟

سؤالٌ يطرحه كثيرون: “متى ظهرت الرواية في الأدب العربي؟”. الحقيقة أنها وُلدتْ في أحضان التحدي؛ فبينما يُعتبر كتاب “حي بن يقظان” لابن طفيل (القرن ١٢) عملاً سردياً قريباً من الرواية الفلسفية، فإن الرواية العربية الحديثة تأخرت حتى مطلع القرن العشرين.

يرى بعض النقاد أن “غابة الحق” لفرنسيس مراش (١٨٦٥) هي البذرة الأولى، لكن “زينب” لمحمد حسين هيكل (١٩١٤) كانت الصيحة الواضحة؛ ففيها تحررت الشخصيات من الخطابة المباشرة، وبدأت تُصارع مشاعر الحب والاغتراب. ثم جاء نجيب محفوظ ليرتقي بالرواية العربية إلى العالمية، فـ”ثلاثية القاهرة” (١٩٥٦-١٩٥٧) لم تكن مجرد سردٍ لأحياء مصر، بل تشريحاً لجروح الطبقة الوسطى في زمن الثورات.


الفصل الثالث: عناصر الرواية.. عندما تتحول الدمى إلى بشر

لا تكتمل الرواية دون عناصرَ خمسة، هي بمثابة “أركان الخيمة” التي تُقيم بنيانها:

  1. الحبكة: ليست خيطاً يربط الأحداث فحسب، بل هي نبضُ الرواية. انظر إلى “البؤساء” لفيكتور هيجو: فالصراع بين “جان فالجان” والمجتمع ليس سلسلة مواقف، بل معركةٌ بين النور والظلام في النفس البشرية.
  2. الشخصيات: هنا يختلف الروائي العظيم عن الكاتب العادي؛ فشخصيات محفوظ – مثل “السيد أحمد عبد الجواد” – ليست مجرد أسماء، بل كائناتٌ تحمل تناقضاتها، كما قال الناقد رجاء النقاش: “إنه يخلقهم من لحم القِراء أنفسهم”.
  3. الزمان والمكان: هل يمكن تخيل “ألف ليلة وليلة” دون بغداد، أو “دون كيخوتي” دون سهول إسبانيا؟ المكان في الرواية العظيمة يصير شخصيةً صامتةً تروي مأساتها.
  4. الراوي: هو الصوت الخفي الذي يختار ماذا يُخبر وماذا يُخفي. في “مئة عام من العزلة”، يمارس ماركيز سحره علينا عبر راوٍ يعرف مصائر الشخصيات قبل أن تعرفها هي نفسها.
  5. اللغة: ليست أداةً للتعبير، بل جزءاً من البنية. لغة الطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” تدمج الشعر بالسرد، فكأنك تسمع دندنة النيل وهو يحكي.

الفصل الرابع: أنواع الرواية.. ألوانٌ لا تُحصى

الرواية كائنٌ متعدد الأوجه، ينقسم إلى أنواعٍ تُعبِّر عن تنوع التجربة الإنسانية:

  • الرواية الواقعية: كمرآةٍ تعكس المجتمع بلا زيف. في “مدام بوفاري”، فضح فلوبير خواء البرجوازية الفرنسية، بينما كشفت “ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ عن فساد النخبة المصرية.
  • الرواية التاريخية: ليست سرداً للأحداث، بل استعادةٌ للزمن المفقود. “الزيني بركات” لجمال الغيطاني يُعيد بناء عصر المماليك بطريقةٍ تجعل القارئ يشم رائحة القاهرة القديمة.
  • رواية الخيال العلمي: ليست هروباً من الواقع، بل تشريحاً له عبر المستقبل. جورج أورويل في “1984” رسم ديكتاتورية المستقبل قبل أن تصير واقعاً.
  • الرواية البوليسية: حيث الجريمةُ مدخلٌ لسبر أغوار النفس. أغاثا كريستي حوَّلت القاتلَ إلى بطلٍ مأساوي في “جريمة في قطار الشرق”.

الفصل الخامس: الرواية العربية.. سؤال الهوية والحرية

من التبعية إلى الخصوصية

عانت الرواية العربية – في بداياتها – من تقليد النموذج الغربي، لكنها سرعان ما وجدت صوتها الخاص. فـ”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح (١٩٦٦) لم تكن مجرد حكاية صراع بين الشرق والغرب، بل سؤالاً عن الهوية: “من أنا؟” يسأل الراوي، بينما تتداخل أصوات الضفاف النيلية مع أصوات شكسبير.

الرواية الأنثوية: عندما تحكي المرأة جراحها

مع ظهور روائيات مثل أحلام مستغانمي (“ذاكرة الجسد”)، ورضوى عاشور (“غرناطة”)، صارت الرواية العربية تعبر عن صوت المرأة المكبوت، ليس كضحية، بل كفاعلةٍ في صنع التاريخ.


الفصل السادس: أجمل رواية في العالم.. سؤالٌ أم اختبار؟

حين يُسأل: “ما هي أجمل رواية في العالم؟”، يكون الجواب كمن يسأل عن أجمل نجم في السماء. لكن ثمة أعمالاً اجتازت حدود الزمان:

  • “الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي: حيث يصير الصراع بين الإخوة معركةً بين الإيمان والشك.
  • “الغريب” لكامو: روايةٌ فلسفيةٌ في ثوب بوليسي، تسأل عن معنى الوجود في عالمٍ عبثي.
  • “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ: ملحمةٌ رمزيةٌ تخلد صراع الإنسان مع السلطة المطلقة.

الخاتمة: الرواية.. فنُّ الذين لا يملكون إلا الكلمات

الرواية هي الابن الشرعي للإنسان الحديث؛ ذلك الكائن الذي يشعر بالغربة في عالمٍ مُعقد، فيلجأ إلى الخيال ليفهم الواقع. إنها ليست ترفاً، بل ضرورةٌ كالهواء، لأنها – كما يقول ميلان كونديرا – “الفن الوحيد الذي يكتشف ما لا يمكن اكتشافه بغير الرواية”.

فهيا، أيها القارئ، افتح أول صفحةٍ في رواية، وستجد أنك لم تكن وحدك أبداً.


مراجع اعتمد عليها المقال:

  1. الرواية العربية: بقلم يوسف لعجان.
  2. التقنيات السردية لرواية مابعد الحداثة.
  3. “فن الرواية” – ميلان كونديرا.

“الكلمة الحق تُولد لتُضيء، لا لتصعق”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى